فخر الدين الرازي

377

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تعالى ثم قال : أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وفيه مسائل : المسألة الأولى : حرف الاستفهام دخل على الشرط وهو في الحقيقة داخل على الجزاء ، والمعنى أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل ، ونظيره قوله : هل زيد قائم ، فأنت إنما تستخبر عن قيامه ، إلا أنك أدخلت هل على الاسم واللّه أعلم . المسألة الثانية : إنه تعالى بيّن في آيات كثيرة أنه عليه السلام لا يقتل قال : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ الزمر : 30 ] وقال : وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ المائدة : 67 ] وقال : لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ * [ الصف : 9 ] فليس لقائل أن يقول : لما علم أنه لا يقتل فلم قال أَوْ قُتِلَ ؟ فإن الجواب عنه من وجوه : الأول : أن صدق القضية الشرطية لا يقتضي صدق جزأيها ، فإنك تقول : إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين ، فالشرطية صادقة وجزاءاها كاذبان ، وقال تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] فهذا حق مع أنه ليس فيهما آلهة ، وليس فيهما فساد ، فكذا هاهنا . والثاني : أن هذا ورد على سبيل الإلزام ، فإن موسى عليه السلام مات ولم ترجع أمته عن ذلك ، والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لا يرجعون عن دينه ، فكذا هاهنا ، والثالث : أن الموت لا يوجب رجوع الأمة عن دينه ، فكذا القتل وجب أن لا يوجب الرجوع عن دينه ، لأنه فارق بين الأمرين ، فلما رجع إلى هذا المعنى كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين وهموا بالارتداد . المسألة الثالثة : قوله : انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي صرتم كفارا بعد إيمانكم ، يقال لكل من عاد إلى ما كان عليه رجع وراءه وانقلب على عقبه ونكص على عقبيه ، وذلك أن المنافقين قالوا لضعفة المسلمين : إن كان محمد قتل فالحقوا بدينكم ، فقال بعض الأنصار : إن كان محمد قتل فإن رب محمد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد . وحاصل الكلام أنه تعالى بين أنه قلته لا يوجب ضعفا في دينه بدليلين : الأول : بالقياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم ، والثاني : أن الحاجة إلى الرسول لتبليغ الدين وبعد ذلك فلا حاجة اليه ، فلم يلزم من قتله فساد الدين واللّه أعلم . المسألة الرابعة : ليس لقائل أن يقول : إن قوله : أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ شك وهو على اللّه تعالى لا يجوز ، فإنا نقول : المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الارتداد . ثم قال تعالى : وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً والغرض منه تأكيد الوعيد ، لأن كل عاقل يعلم أن اللّه تعالى لا يضره كفر الكافرين ، بل المراد أنه لا يضر إلا نفسه ، وهذا كما إذا قال الرجل لولده عند العتاب : إن هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض ، ويريد به أنه يعود ضرره عليه فكذا هاهنا ، ثم أتبع الوعيد بالوعد فقال : وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ فالمراد أنه لما وقعت الشبهة في قلوب بعضهم بسبب تلك الهزيمة ولم تقع الشبهة في قلوب العلماء الأقوياء من المؤمنين ، فهم شكروا اللّه على ثباتهم على الإيمان وشدة تمسكهم به ، فلا جرم مدحهم اللّه تعالى بقوله : وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ وروى محمد بن جرير الطبري عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : المراد بقوله : وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أبو بكر وأصحابه ، و روي عنه أنه قال أبو بكر من الشاكرين وهو من أحباء اللّه واللّه أعلم بالصواب . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 145 ] وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) [ قوله تعالى وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ]